تونس لجان “اليقظة”

في بداية التّسعينات أعلن التّجمّع عن تشكيل ما سمّاه “لجان اليقظة”، كانت عصابات من الأهالي لمراقبة الإسلاميّين على مدار السّاعة وردّ الخبر إلى مراكز الأمن.
أوكلت هذه المهمّة إلى الشُّعب الدّستوريّة، فجنّدت لذلك العشرات في قريتنا وحدها، وربّما عشرات الآلاف في كامل البلاد، كان بالإمكان أن يشكّل ذلك جيش احتياط كامل. شملت هذه اللّجان أعضاء الشّعبة كمشرفين، وأصحاب الحوانيت والدّكاكين، وسوّاق النّقل الرّيفيّ وجيشا من المتقاعدين البائسين، مقابل ستّين دينارا كلّ شهر لكلّ “عميل”.
كانت تلك الخطّة استعادة حرفيّة لخطّة بورقيبة في مواجهة اليوسفيّين، بنفس الاستراتيجيا ونفس الآليّات. غير أنّ أطرف ما سمعته في وصف تلك الأوضاع الغريبة الّتي عشناها، هو ما قاله “عامر الصّالحي” ذات يوم في سجن الكاف.
قال إنّ المنطق الّذي يتعامل به الطّغاة والمستبدّون مع شعوبهم وطبيعة المعركة وأدواتها هي نفسها ولا تتغيّر أبدا ولو بعد آلاف السّنين، ثمّ قارن بين صورة الوضع الّذي نعيشه آنذاك في تونس، وما عاشه قوم موسى في مواجهة فرعون، وتلا قوله تعالى من سورة الشّعراء، فأذهلني ذلك التّطابق الكامل، حتّى لكأنّ الآيات قد نزلت للتّوّ لتصف ما نحن فيه:
“فأرسلَ فرعونُ في المدائن ِحاشرينْ، إنَّ هَؤُلاء لَشِرْذمةٌ قليلونْ، وإنّهمْ لنا لَغائِظُونْ، وإنّا لَجمِيعًا حذِرُونْ”
قال عامر مفسّرا:
ـ تأمّل الآية الأولى، تجدها تعبيرا عن تلك الاجتماعات اليوميّة الّتي يقوم بها وزراء بن علي في كلّ الولايات ليحشروا له النّاس ويضلّلوهم بالخدع والأكاذيب وحملات التّشويه، والآية الثّانية، تعبّر عن نفس الخطاب الّذي يسوّقه إعلام بن علي المرئيّ والمسموع والمكتوب: شرذمة قليلة وفئة ضالّة إلخ… والآية الثّالثة يقابلها في إعلامنا: الحاقدون على مكاسب النّظام وما حقّقته تونس الحديثة من إنجازات برعاية فخامة الرّئيس إلخ… أمّا الآية الرّابعة: “وإنّا لَجمِيعًا حذِرُونْ”، فترجمتها العمليّة هي لجان اليقظة الّتي أحدثها بن علي لخنقنا ومحاصرتنا داخل قرانا وبيوتنا.
استطاع بن علي عبر تلك اللّجان، أن يجعل المجتمع يخرج أسوأ ما فيه وأقذر ما فينا وينشره على قارعة الطّريق.
في اللّيل، تتحوّل الطّرقات والمزارع إلى حقول ألغام بشريّة، ينتشر القوّادون في نقاط مراقبة حيويّة، على مداخل القرية ومخارجها وقرب منازل المشبوهين، في قشاشيب أو برانس سوداء تلتحم بظلمة اللّيل. ترى كتلة سوداء على جانب الطّريق، لا تتبيّن لها أيّة ملامح، ملتصقة تماما بجذع كالتوسة أو حجر بارد، كتلة سوداء غامضة لا تتحرّك ولا تكاد تتنفّس، تراقب الطّريق طول اللّيل وتتشمّم الأخبار…
بعض أولئك القوّادين كان يتجرّأ حتّى على حرمة البيوت، فيقترب إلى حدّ الالتصاق بالنّافذة كي يستمع إلى أحاديث العائلة. شعرت ذات ليلة بحركة غريبة خارج البيت، ولمّا خرجت أستطلع الأمر، رأيت شبحا أسود يركض مبتعدا ويغيب في الظّلام، لكنّه كان يبدو من تعثّره وحركاته الثّقيلة أنّه أحد أولئك المتقاعدين الشّيوخ. ركضت خلفه حتّى أدركته وكانت الصّدمة الّتي قصمت ظهري…
ـ عمّي سالم! حتّى أنت!
كان زوج عمّتي، وكنّا نناديه عمّي، تربّينا على يديه، ولم أفرّق يوما بينه وبين أعمامي وأخوالي الحقيقيّين، حتّى اكتشفت يومها أنّه من لجان اليقظة، وأنّه مكلّف بمراقبتي شخصيّا قبل الآخرين.
قال لي بارتباك شديد:
ـ إيّاك أن يذهب بك الظّنّ بعيدا، لقد كنت في الطّريق لأسهر قليلا في الحانوت، هذا كلّ ما في الأمر.
أفلتّه من يدي دون أيّة كلمة، وعدت إلى البيت وكتمت الأمر. لكنّني لم أكلّمه بعدها حتّى مات. طحنه المرض شهورا طويلة، وقيل لي أكثر من مرّة إنّه سأل عنّي، لامتني أمّي كثيرا على عدم زيارته، وكلّ أقاربي، لكنّني قسوت حتّى صار قلبي قطعة من الفولاذ، وقاطعته حتّى أفضت روحه إلى بارئها…
عبد اللطيف العلوي كاتب وروائي تونسي وعضو مجلس نواب الشعب عن “ائتلاف الكرامة”
أسوار الجنة



