هل هي بوادر أزمة مالية عالمية جديدة؟
دلالات الانهيار المفاجئ لبنك "سيليكون فالي"

شكّل الانهيار المفاجئ لبنك سيليكون فالي(Silicon Valley Bank او SVB) وهو شركة مالية عالمية المستوى مختصة في تمويل الشركات الريادية الناشئة «Startup» العاملة في قطاع اقتصاد التكنولوجيا، أبرز حدث اقتصادي ومالي، ليس على صعيد الولايات المتحدة الأمريكية فحسب وانما حتى على صعيد عالمي نظرا لأهمية البنك ومكانته من جهة من حيث كونه المقرض الرئيسي لشركات التقنية ورأس المال الاستثماري، فهو يحتل المرتبة 16 في قائمة أكبر البنوك الامريكية من حيث حجم الميزانية العمومية،
و يملك 209 مليار دولار من الأصول و175 مليار دولار من الودائع، ونظرا كذلك لأهمية الاختصاص والمجال الذي يتعلق به والمكان الجغرافي (وادي السيليكون) الذي يتواجد فيه والذي يعتبر المركز العالمي الاول في هذا القطاع التكنولوجي الحساس أين تتواجد أقطاب شبكات الانترنيت والتواصل الاجتماعي مثل غوغل وميكرويوفت وفيس بوك وآبل ولينكدين وغيرها من جهة أخرى، بالإضافة الى تواجد البنك في العديد من البلدان الغربية ولا سيما بريطانيا وإسرائيل.
كما يعد هذا الحدث اكبر فشل في القطاع البنكي في الولايات المتحدة بعد أزمة الرهن العقاري 2008. فقد أعاد الى الاذهان إفلاس بنك ليمان براذرز Lehmann Brothers)) الذي كان الشرارة الاولى لاندلاع أكبر أزمة مالية عالمية منذ قرن من الزمان بعد أزمة الكساد الكبير عام 1929. وقد سبق وأن أعلن بنك ثان هو بنك سيلفر غيت SilverGate افلاسه أيضا قبل أيام فقط من هذا الحدث وهو كذلك أبرز البنوك المقرضة للعملات الرقمية، الامر الذي أشاع حالة من الذعر والهلع في الاوساط المالية داخل الولايات المتحدة وخارجها، وجعل البعض يتساءل: هل هي مؤشرات لاندلاع أزمة مالية عالمية جديدة؟ أم هي مجرد حدث عابر لن تتعدى تأثيراته حدود المكان الذي يتواجد به البنك المنهار؟
فما هي الأسباب المباشرة لهذا الانهيار؟ وماهي التداعيات المحتملة على الصعيدين المالي والاقتصادي؟ وماهي التوقعات المرتبطة بإمكانية انتقال عدوى الإفلاس الى مؤسسات مالية أخرى على الصعيدين الداخلي الأمريكي والخارجي الدولي؟
الأسباب المباشرة:
السبب الرئيسي والاكبر لما حدث، والذي تعود اليه عوامل أخرى فرعية، هو ارتفاع أسعار الفائدة التي أعلن عنها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي للولايات المتحدة) بحجة مجابهة التضخم الزاحف خلال الأشهر القليلة الماضية، وهو الترفيع للمرة الثامنة خلال عام واحد مما نقل سعر الفائدة من نسبة تكاد تكون صفرية (0.25٪) العام الماضي الى ما يقرب من 5٪ في الوقت الراهن(4.75٪ الشهر الماضي). أدى هذا الترفيع الى ارتفاع كلفة التمويل وبالتالي عزوف الاستثمار بسبب تزايد المخاطر. انعكس هذا الوضع على تمويل الشركات الناشئة والناشطة في قطاع التكنولوجيا التي شهدت كلفة تمويلها ارتفعت بسرعة في عام واحد وهو بدوره أثر على العرض بحكم تعاظم صعوبة الحصول على التمويل وأدى الى احداث أزمة سيولة لدى تلك الشركات لإدارة شؤونها اليومية.
حاولت إدارة البنك البحث عن مصادر بديلة لتوفير السيولة مثل الإعلان عن عزمها عن التفويت في أصولها من السندات بحجم 21 مليار متكون أساسا من سندات خزينة ذات أجل ب 10 سنوات ومعدل عائد ب 1،79٪ أي اقل من عائد السند ذاته المحدد مسبقا بنسبة 3،9٪ . نجم عن ذلك خسارة فورية فادحة قدرت بحوالي 1،8 مليار دولار في يوم واحد. أحدثت هذه الخسارة حالة من الهلع في أوساط المودعين ومن ثم بدأت عملية سحب الودائع لتلبية حاجات السيولة من قبل الشركات الناشئة التي يتعامل معها البنك.
السؤال الطبيعي الذي بدأ ينتشر في صفوف المودعين هو: ماذا يعني فشل البنك في الحصول على تمويلات في السوق المالية؟ انه يعني بكل بساطة فقدان البنك لجدارته الائتمانية وتضاؤل مصداقيته المالية. ازداد الهلع والارتباك فاندفعوا بكثافة الى المزيد من سحب الودائع. اضطر البنك إثر ذلك الى اللجوء الى الإعلان عن استعداده لبيع جزء هام من الأسهم (عادية وممتازة قابلة للتحويل) في حدود 2،25 مليار دولار لتغطية العجز مما انجر عنه بطبيعة الحال انخفاض حاد في قيمة السهم بلغ في نفس اليوم 60٪. فشل البنك ايضا في هذه الخطوة مما تسبب في عمليات سحب للمودعين لودائعهم بسرعة اكثر وعمّق ازمة السيولة. تسارعت الاحداث وحاولت إدارة البنك انقاذ الموقف وتفادي الكارثة بالإعلان عن بيع البنك برمته. حينذاك تدخلت شركة التأمين (المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائعF.D.I.C.) وطلبت وضعه تحت الرهن مما اضطر السلطات الفدرالية الى التدخل ووضع يدها على البنك.
التداعيات السريعة:
بدأ انتشار العدوى بانطلاق موجة من الخسائر في القطاع البنكي داخل أمريكا وخارجها حيث مباشرة مع الحدث أعلنت 4 بنوك أمريكية كبرى منها جي بي مورجان ( JP MORGAN) وويلز فارجو وسيتي جروب( WALES CITY GROUP) عن تكبدها لخسائر تقدر ب 52 مليار دولار في سوق الاوراق المالية(البورصة). كما شهدت عدة بنوك اخرى مثل فيرست ريبيبليك (First Republic Bank ) بنك وباك ويست بنكورب (Backwest Bankorp ) و وسينياتور بنك(Signature Bank)تراجعا كبيرا في قيمة أسهمها بلغ بعضها 20٪.
وسرعان ما سرت العدوى الى خارج الولايات المتحدة حيث وصلت الخسارة الي البنوك الاسيوية والأوروبية بدءا بالبنوك الفرنسية الكبرى مثل ب آن ب باريباس(BNP PARISBAS) و سوسياتي جينيرال( SOCIETE GENRALE ) وكريدي اغريكول(CREDIT AGRICOLE) , والألمانية(DEUCH BANK ) ومن ثم الى بقية البلدان مثل بريطانيا: باركلايز بنك ( BANKBARKLAYS) و مورغن شايز (MORGAN SHASE) وسويسرا ( UBS) التي سجلت كلها تراجعا سريعا في أسعار أسهمها بالأسواق المالية الدولية.
الخطير في الامر انه تماما مثلما كان الحال ابان الازمة المالية 2008، لا أحد توقع هذا الانهيار الى حين وقوعه منذ يومين فقط مما أحدث ذعرا في الأسواق وأربك القطاع البنكي خصوصا أمام الاقبال المتزايد على سحب الودائع مما دفع بإدارة البنك الى إخطار العملاء الذين لديهم ودائع ما فوق 250 الف دولار بعدم إمكانية سحبها ومطالبتهم بالانتظار الى حين التوصل الى حل مع شركات التأمين.
وحذرت المؤسسة الفدرالية لتأمين الودائعFIDIC من أن الخسائر الجملية للمصارف المحتملة بهذا الصدد ارتفت إلى 620 مليار دولار. وفي نفس السياق أحدث انهيار بنك سيليكون فالي صدمة في تل أبيب وأصبحت 100 شركة ناشئة في نفس القطاع تحت التهديد. ومن المنتظر أن تحدث تداعيات جديدة في غضون الايام القادمة منها :
. فقدان الثقة في البنوك الصغيرة ومتوسطة الحجم التي ستمر بمرحلة من عدم الاستقرار وموجة محتملة من الإخفاقات في الأشهر المقبلة.
. التأثير السلبي على الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا حيث أن اندثار هذا البنك سيقود الى
تشديد الائتمان لهذه الشركات الناشئة، مما يجعل من الصعب عليها النمو والمنافسة.
. تشديد الرقابة والتدقيق على البنوك الصغيرة والمتوسطة مما يدفع الشركات الناشئة الى البحث عن شركاء جدد من المستثمرين بما في ذلك البنوك.
. احتمال انهيار بنوك اخرى في الفترة القادمة باعتبار انتشار عدوى المخاوف لدى عملاء البنوك الأخرى على ودائعهم مما يضطرهم الى التحوط عبر عملية سحب قد تفضي الى نفس النتائج في ظل استمرار ارتفاع أسعار الفائدة وارتباك الأسواق.
التوقعات المحتملة:
هناك احتمالان اثنان لتطور الاوضاع بعد هذا الحدث. الاول أن يكون مجرد حادث عابر وفي أسوأ الأحوال لا تتعدى تداعياته الداخل الامريكي أي أن تكون أزمة محلية النطاق ولا تتعدى ذلك الا بشكل طفيف. أما الثاني فهو تكرار ما حدث عام 2008 أي سيناريو الدومينو وانتشار العدوى للخارج.
. بخصوص السناريو الاول، تبدو مدعماته في بعض المؤشرات من قبيل احتمال تدخل سريع من الدولة لاحتواء الموقف وإنقاذ البنك(ان لم يكن فات الاوان) قبل ان تستشري العدوى بقية مؤسسات القطاع البنكي، ومن قبيل تعهد المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع بتغطية أموال المودعين التي تصل مدخراتهم إلى 250 ألف دولار، كحد أقصى، رغم انها لم تقدم أي ضمان بشأن الودائع ما فوق هذا السقف، ومن قبيل كذلك توجه الجهود بكثافة الى حماية البنوك الكبرى من خطر الانهيار قبل فوات الاوان.
. أما السناريو الثاني فتبدو مؤشراته الاولية أقوى، حيث أن التداعيات الحاصلة لحد الان رغم اننا في بداية الحدث وليس في نهايته، لا توحي بأن ما حصل حدث عابر فقد انعكست آثاره بسرعة على عدد هام من البنوك الصغرى والمتوسطة وكذلك الكبرى داخل أمريكا والتي سجلت تراجعا في سوق الأسهم وتكبدت خسائر مالية هامة. كما انعكست آثاره أيضا خارج حدود أمريكا من خلال تراجع اسهم كبرى البنوك الآسيوية والاوروبية فضلا عن دخول قطاع يعد من أهم القطاعات الرائدة والبعيدة عن المضاربات في أزمة من خلال انهيار البنك الرئيسي المقرض لشركات هذا القطاع. ومما يضاعف من احتمال هذا السيناريو التوقعات المتعلقة باستمرار الاحتياطي الفدرالي في الترفيع من سعر الفائدة في الأشهر القادمة مما يفاقم من تعقد الاوضاع وتدهورها.
فهل يشهد العالم أزمة مالية جديدة على غرار ما حدث عام 2008؟ هذا ما ستكشفه الايام والاشهر القادمة.
د. محمد النوري..خبير اقتصادي متخصص في المالية الإسلامية



